تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حين يمرّ الراعي… تستعيد الأرض ذاكرتها

بيتسابالا

ليلك مرجي - في أحد الراعي الصالح، لا تكون الزيارات مجرد أحداث عابرة في جدول رعوي، بل فرصة لإحياء علاقة قديمة بين الراعي والرعية. هناك شعور بأن اللقاء يتجاوز البروتوكول أو الزيارة الرسمية، ليصل إلى معنى أبسط: أن يكون هناك من يعرف الناس ويعرفونه.

في شمال الأردن، وبالقرب من مدينة إربد، تقع بلدة الحصن، التي تحمل تاريخًا طويلًا من الوجود الإنساني والديني، تشكّل عبر الزمن، وكان فيه الوجود المسيحي جزءًا مهمًا من نسيجها الاجتماعي، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر، إذ شكّل المسيحيون نحو 77% من سكانها. ومع مرور الوقت، بقي هذا الحضور حاضرًا في الذاكرة أكثر من الأرقام.

ما يميّز الحصن اليوم ليس تاريخها فقط، بل قدرتها على الحفاظ على حالة من العيش المشترك بين مكوناتها المختلفة، لتكون مضرب مثل في التآخي والتعاون والاحترام المتبادل.

في هذا السياق، تأتي رعية الحبل بلا دنس، التي تأسست عام 1885 بعد طلب عدد من أهالي البلدة من بطريرك القدس للاتين آنذاك، فينشينزو (منصور) براكو. ومنذ ذلك الوقت، مرّت الرعية بفترات صعبة من إغلاقات وضغوط من قبل السلطات العثمانية، إلا أن إيمان وثبات أبناء الرعية أسهما في ترسيخ الوجود الكنسي والحصول على الاعتراف الرسمي بالرعية.

كما أولت البطريركية اهتمامًا كبيرًا بالتعليم منذ البداية، فافتتحت المدرسة إلى جانب الكنيسة لتصبح مركزًا روحيًا وتربويًا في البلدة. لاحقًا، ومع مطلع القرن العشرين، استُكمل بناء الكنيسة وتكريسها لسيدتنا مريم العذراء الحبل بلا دنس. وفي عام 1902، استقبلت الرعية راهبات الوردية، اللواتي أسهمن ويسهمن في تعزيز حضور الحياة المكرسة في الرعية.

واليوم، بعد مرور 141 عامًا على تأسيسها، عندما يزور بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا هذه البلدة، فإن الزيارة لا تُفهم فقط كحدث رسمي، بل كامتداد لعلاقة طويلة بين الكنيسة وأبناء الرعية، كأنها تذكير بأن هذه العلاقة مستمرة وليست لحظة منفصلة. وهي كذلك لتعميق الأصالة الروحية في العلاقة بين القدس، كعاصمة للمسيحية، ومقرّ الكرسي البطريركي الأورشليمي، وواحدة من أهم المراكز المسيحية في التاريخ، لأنها من المدن العشر التي كان السيّد المسيح نفسه يتجوّل فيها "عاملاً للخير، ومبرئا جميع من استولى عليهم ابليس".

وفي أماكن مثل الحصن، لا تُقرأ الزيارات كأحداث منفصلة، بل كجزء من ذاكرة طويلة ما زالت تتشكل.

وأخيرًا، إنّ مجيء بطريرك القدس يدعونا للصلاة من أجل السلام في القدس وشقيقاتها المدن والقرى الفلسطينية، فليهب الرب الذي كان يتجوّل في مدينة ديون (الحصن) سلامه للقدس مدينة الفداء والقيامة.