Aller au contenu principal

البابا: لنكن حاملين لرحمة يسوع وسلامه، لكي تخمد الحروب في العالم وتنمو من حولنا إنسانية جديدة

الفاتيكان

الفاتيكان - "لنتذكر أننا نحن الحضور الحي للرب في العالم. لذلك، لينظر بعضنا إلى بعض، ليس في هذا اليوم فحسب بل دائماً، باحترام وثقة، ولنجدد، في هذا الوعي، الالتزام بأن نكمل في ذواتنا، بالمحبة، ما نقص من آلام المسيح، لأجل خير الكنيسة" هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في عظته مترئسًا القداس الإلهي في استاد غران كاناريا

في إطار زيارته الرسولية إلى إسبانيا، ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، مساء الخميس ١١ حزيران يونيو، قداساً إلهياً في استاد غران كاناريا بمدينة لاس بالماس، بمناسبة عشية عيد قلب يسوع الأقدس، وبمشاركة حشود غفيرة من المؤمنين، وقد تخللت الذبيحة الإلهية عظة للأب الأقدس استهلها برفع الشكر لله على أعمال الخير اليومية التي تشهدها هذه الأرض، داعياً الحاضرين إلى الصلاة معاً من أجل الضحايا الذين فقدوا حياتهم في البحر.

قال البابا لاوُن الرابع عشر نحمل كل شيء إلى المذبح مع الخبز والخمر، في وقت ندخل فيه، من خلال الاحتفال المسائي لليلة العيد، في احتفال عيد قلب يسوع الأقدس، الذي كُرست له إسبانيا بأسرها. فلنطلب من الرب أن تحيا فينا في هذه اللحظة نفس مشاعر الإنسانية والرحمة والشفقة التي يتسم بها قلب المخلص. ولنسمح بأن تساعدنا في تأملنا القراءات التي استمعنا إليها.

تابع الأب الأقدس يقول في القراءة الأولى، يذكر الله الإسرائيليين بالمجانية التي أحبهم بها. فهو لم يخترهم لأن لديهم امتيازات أو مواهب أو استحقاقات خاصة، بل بدافع الحب الخالص، وسيبقى يحبهم دائماً، حتى عندما لا يبادلون مشاعره بسبب قساوة قلوبهم. هذه هي محبة الله، التي تجد جذورها فيها دعوتنا إلى الحب؛ الذي لا يقوم على الحسابات، ولا على مجرد العاطفة، ولا يمكن اختزاله في مجرد عمل خيري بسيط، بل يجتاح كياننا بأسره: نار للنفس، ونور للعقل، ودافع لا يُقاوَم للحرية، وسلام وعذاب في آنٍ واحد للقلب، الذي ينبض بالتناغم مع القلوب الأخرى، مشركاً الشخص بكامله. لأن الحب هو فِطري في الإنسان، لا بل هو شرط لاكتمال وجوده ذاته. هكذا يتجلى لنا الحب في إنسانية المخلص وفي حركات قلبه الأقدس: ثابت وأمين حتى إزاء عدم الفهم والرفض، والخوف، والحزن، والمقاومة البشرية.

أضاف الحبر الأعظم يقول وفي وجه الله هذا، الذي هو "عاشق" على الدوام، والذي يتوق بشكل كامل ودائم إلى خيرنا وسعادتنا الكاملة، نتعرف على مسيرة الحياة، ونتعلّم أسلوباً جديداً للوجود وللعلاقات، ومعياراً مختلفاً لتقييم القرارات، ونمطاً متجدداً ومحفزاً لبناء الشركة. وفي هذا الصدد، قال البابا فرنسيس، متحدثاً عن محبة المسيح، إن "أفضل استجابة لمحبة قلبه هي محبة الإخوة"، وأضاف: "ليس هناك لفتة أعظم يمكننا أن نقدّمها له لنرد الحب بالحب". "أن نرُدَّ الحب بالحب": هذا هو التبادل العجيب، الـ "admirabile commercium"، الذي يدعونا الإنجيل لننجذب إليه، ونترجم مقياس محبة الله اللامتناهي إلى سخاء نخدمه به، كل يوم، في الإخوة والأخوات الذين يضعهم هو نفسه في طريقنا. ولا سيما في الأشدَّ عوزًا، والعزل، والعاجزين عن رد أي شيء بالمقابل. تماماً كما يحدث في هذه الجزيرة، في الاستقبال، والمشاركة، والعطاء غير المشروط. بيد أن مجانية قلب المسيح لا تتوقف عند هذا الحد؛ بل تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وتلتزم بمساعدة كل فرد لا على البقاء على قيد الحياة فحسب، بل وأيضاً على استعادة الثقة واستئناف المسير، لينمو ويزدهر بالكامل في فرادته، من أجل خير الجميع. وفي هذا السياق، كتب البابا بندكتس السادس عشر أن المحبة "التي شهد لها يسوع المسيح بحياته الأرضية [...] هي القوة المحركة الرئيسية للتنمية الحقيقية لكل شخص وللبشرية جمعاء".

وفي القراءة الثانية، تابع الأب الأقدس يقول ذكرنا القديس يوحنا بأن "الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به". وتذكرنا كلماته بكلمات يسوع، الذي قال إنه جاء لتكون لنا الحياة وتفيض فينا، والذي أمر المقعد الذي شُفي "قم فاحمل فراشك وامشِ". وفي هذه العبارات نلمس الدعوة لكي نعانق المتألم بأمومة، ولكن في الوقت عينه لإعداد الجريح وتشجيعه لينهض ويعود إلى السير من جديد، من أجل حياة حرة وكريمة. وفي الواقع، لا يجب أن تقتصر محبتنا على مجرد تقديم المساعدات، بل يجب أن تدمج الأشخاص، لكي يحققوا ذواتهم بالكامل – روحياً وفكرياً وجسدياً – وأن تدمجهم بشكل كريم وبنّاء في الجماعةعندها فقط ستتحول لقاءاتنا، حتى في مواجهة الأحداث الصعبة والمؤلمة، إلى فرصة لنثر بذور الرجاء في مسيرة البشرية نحو مستقبل أفضل.

أضاف الحبر الأعظم يقول ولكني أود أن أتوقف، عند نور كلمة الله التي سمعناها، عند سمة أخيرة لثنايا قلب المسيح: التواضع. إن قلب يسوع متواضع، ولذا لا يشعر بنبضاته "العلماء" و"الحكماء"، أي الذين يظنون كبراً أنهم يكفون ذواتهم، ويعلمون كل شيء، ولا يحتاجون إلى الله ولا إلى الآخرين. فهؤلاء، في الواقع، الذين أصمّهم ضجيج "الأنا" الفخمة، الكلية الحضور والمضطربة، يعوزهم الصمت اللازم للإصغاء في أنفسهم وفي الإخوة إلى خفقان الحب الخفي. "في كثير من الأحيان، يعمينا الغنى، لدرجة الاعتقاد بأن سعادتنا لا يمكنها أن تتحقق إلا إذا تمكنا من الاستغناء عن الآخرين". غير أن يسوع يعلمنا العكس: لكي نتذوق الفرح الحقيقي للحياة، الكامن في الحب، من الضروري أن ننزل عن عروش الغطرسة التي تقسم، لنلتقي في التواضع الذي يجعلنا إخوة. وكان القديس أوغسطينوس يقول: "حيث توجد المحبة يوجد السلام، وحيث يوجد التواضع، هناك توجد المحبة". إنه لأمر حقيقي؛ فحيثما وُجد التواضع الأصيل وُجد الحب، وحيثما وُجد الحب وُجد السلام، لأننا بالتواضع وحده نعرف حقاً من نكون، ومن ثم، يمكننا أن نحب بعضنا بعضاً، ونلتقي، ونبذل ذواتنا، ويغفر بعضنا لبعض في الحقيقة.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، اليوم نكرم قلب يسوع الأقدس، هذا القلب الذي غالباً ما نمثله مكللاً بالشوك ومشتعلاً باللهب، وفقاً للرؤى التي نالتها القديسة مارغريت ماري ألاكوك. لنتذكر أننا نحن الحضور الحي للرب في العالم. لذلك، لينظر بعضنا إلى بعض، ليس في هذا اليوم فحسب بل دائماً، باحترام وثقة، ولنجدد، في هذا الوعي، الالتزام بأن نكمل في ذواتنا، بالمحبة، ما نقص من آلام المسيح، لأجل خير الكنيسة. وإذ تلهبنا محبة قلبه، لنكن حاملين لرحمته وسلامه، لكي تخمد الحروب في العالم وتنمو من حولنا إنسانية جديدة، متصالحة في الحب.