ليست الجراح دائمًا نُدوبًا تُرى بالعين، فَمنها ما يَسكن أعماق الإنسان كَهَمسٍ خَفيّ يُواصِل تشكيلَ أفكاره والتأثير في علاقاته. وبين البُعدَين النفسيّ والروحيّ، يبرز تساؤلٌ أساسيّ: كيف تنعكس هذه الجراح على حياة الإنسان، وما سبل التعامل معها وتخطّيها؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، تطلّ فانيسا كسّاب، الاختصاصيّة في علم النفس العياديّ والمعالجة النفسيّة، لتشرح واقع الجراح غير المرئيّة وسبل التعرّف إلى آثارها والتعامل معها بصورة سليمة.
تقول كسّاب: «تتجلّى الجراح غير المرئيّة في حياة الإنسان بطرق مختلفة، فتظهر من خلال نبرة الصوت، أو الآليّات الدفاعيّة كالانسحاب وتجنّب المواقف. وقد تبرز أيضًا عبر أعراض جسديّة، مثل الصداع المزمن ونوبات الهلع والأمراض المزمنة، فيعيش الإنسان معاناةً دون أن يُدرك أنّ هذه الجراح هي السبب فيها».
وتُتابع: «الألم الجسديّ والألم النفسيّ يتشابهان بأثرهما في الإنسان؛ فقد يُقرّبانه من الله أو يُبعدانه عنه، حسب نظرته إلى الألم وعلاقته بالله. فَمِنَ الناس مَن يراه عقابًا يستحقّه، فيما يعتبره آخرون ظلمًا، وقد يكون جسر عبور نحو رجاءٍ وأملٍ في المستقبل».
وتوضح: «عندما يصبح الألم لا يُحتمل، قد يلجأ الإنسان إلى بعض الآليّات الدفاعيّة، منها الإسقاط، أي نقل ما يعيشه داخليًّا إلى الخارج. وعندها قد تتأثّر علاقته بنفسه وبالآخرين، وفي بعض الحالات تتزعزع أيضًا صورة الله لديه. ويبقى ذلك مرتبطًا بواقع كلّ شخص ونظرته إلى الألم».
وتردِف: «يركّز العلاج النفسيّ على جذور الألم، وتتمّ المواجهة عبر التعبير بأشكال مختلفة، أبرزها: التعبير اللغويّ عبر وصف الألم بالكلمات، ثمّ اللعب والرسم عند الأطفال. كذلك، يُستخدَم الصمت مساحةً آمنة لمواجهة الأفكار والألم، ليجد الإنسان الردّ على تساؤلاته. وفي البعد الروحيّ أيضًا يُعتمد الصمت للتأمّل وطلب الهدوء وسط الضجيج، ما يعكس تلاقيًا بين البعدين النفسيّ والروحيّ».
وتختِم كسّاب: «الألم الذي يعيشه الإنسان لن يكون الأخير، فالغاية ليست الوصول إلى شفاء تامّ، بل المصالحة مع الذات وتعلّم التصدّي للألم بهدف بلوغ الراحة».
المصدر: آسي مينا / د. آمال شعيا