لم تُصدر الكنيسة الكاثوليكية يومًا تعليمًا عقائديًا حاسمًا بشأن وجود كائنات ذكية خارج الأرض، إلا أن مفكرين ولاهوتيين كاثوليك عبر القرون ساهموا في النقاش حول هذا الموضوع الذي ما زال يثير اهتمامًا واسعًا حتى اليوم.
وفي الثامن من أيار، بدأت الحكومة الأميركية نشر ملفات تتعلق بما يُعرف بـ"الظواهر الشاذة غير المحددة" (UAP)، والتي كانت تُعرف سابقًا باسم "الأجسام الطائرة المجهولة" (UFOs)، ما أعاد إلى الواجهة التكهنات حول امتلاك الحكومات أدلة على وجود حياة خارج كوكب الأرض أو ذكاء غير بشري. لكن ماذا تقول الكنيسة الكاثوليكية حيال ذلك؟
صمت رسمي ونقاشات لاهوتية
بحسب عدد من الخبراء، لا يوجد "أي عقيدة أو تعليم رسمي" صادر عن الكنيسة بشأن الحياة خارج الأرض. ومع ذلك، فإن شخصيات كاثوليكية بارزة من فلاسفة ولاهوتيين ناقشت هذه المسألة القديمة التي ما تزال دون حسم، رغم الاهتمام الشعبي المتزايد بها.
وعلى مدى عقود، ادّعى أشخاص يُعرفون باسم "المتواصلين" أنهم التقوا بكائنات فضائية، سواء عبر مشاهدة مركبات يُعتقد أنها فضائية أو من خلال تواصل مباشر مع كائنات من خارج الأرض. لكن هذه الروايات لم يتم إثباتها أو تأكيدها علميًا من قبل الهيئات العلمية أو الحكومات.
وربما ليس مستغربًا، بالنسبة إلى موضوع اعتُبر في العقود الأخيرة أقرب إلى ظاهرة غامضة أو هامشية، أن الكنيسة لم تُصدر موقفًا نهائيًا بشأن ظواهر الأجسام الطائرة المجهولة أو الكائنات الفضائية بشكل عام.
وقال لوك توغني، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة سانت ماري بمقاطعة نوفا سكوشا الكندية، إن صمت الكنيسة الرسمي تجاه هذه القضية قد يُعتبر بحد ذاته موقفًا ضمنيًا.
وأضاف: "يمكن القول إن الكنيسة لم تُصدر حكمًا بشأن هذا الموضوع من خلال نوع من الصمت المحيط به، لكنها سمحت بالتأمل والنقاش".
وأشار توغني إلى بعض الحالات النادرة في تاريخ الكنيسة التي تطرّق فيها قادتها إلى المسألة بشكل عابر.
فقد لفت إلى إدانة البابا زكريا في العصور الوسطى لفكرة احتمال وجود بشر على "عالم آخر"، إلا أن توغني أوضح أن موقف البابا "كان على الأرجح مرتبطًا بمسألة وجود بشر لا ينحدرون من آدم"، أكثر من كونه رفضًا لفكرة الكائنات الفضائية بحد ذاتها.
كما أشار إلى إدانة البابا بيوس الثاني في القرن الخامس عشر لنظرية مشابهة تتحدث عن وجود بشر في "عوالم أخرى"، حيث تمحور الجدل مجددًا حول ما إذا كان آدم المذكور في الكتاب المقدس هو الإنسان الأول فعلًا.
الإيمان لا يتعارض
ومع ذلك، أوضح توغني أن النقاش العام، خاصة في العصر الحديث، لم تعتبره الكنيسة أمرًا محظورًا.
وقال: "منذ عصر النهضة وحتى الحداثة، شهدنا انتشارًا واسعًا للتأملات حول الحياة خارج الأرض، ولم تتم إدانة ذلك يومًا".
وتحظى القضية اليوم باهتمام متزايد من قبل فلاسفة وخبراء كاثوليك.
وكان اللاهوتي الكاثوليكي بول ثيغبن، الذي توفي في شباط الماضي وألف كتابًا بعنوان "الذكاء خارج الأرض والإيمان الكاثوليكي: هل نحن وحدنا في الكون مع الله والملائكة؟"، قد قال عام 2022 لصحيفة "ناشيونال كاثوليك ريجستر" إنه أصبح "مقتنعًا" بعد سنوات من الدراسة بأن الإيمان بوجود كائنات ذكية خارج الأرض لا يتعارض مع العقيدة الكاثوليكية.
وأضاف: "بعض اللاهوتيين المسيحيين في الماضي اعتبروا أنه لا يمكن أن توجد كائنات عاقلة غير البشر والملائكة، سواء الساقطين أو غير الساقطين".
لكنه أشار إلى أن استدلالاتهم كانت "قاصرة غالبًا لاعتمادها على افتراضات فلسفية أو علمية تعود إلى فلاسفة وثنيين قدماء ثبت خطؤها لاحقًا"، مثل الاعتقاد بأن الأرض هي مركز الكون.
وفي عام 2024، أصدر "معهد ماكغراث للحياة الكنسية" في جامعة نوتردام فيلمًا وثائقيًا تناول "حدود الإيمان الكاثوليكي" فيما يتعلق بنظريات الحياة خارج الأرض. وضم الفيلم مقابلات مع عدد من الأكاديميين والباحثين الكاثوليك، من بينهم أستاذة الفلسفة في جامعة سانت جون، ماري جورج.
وفي الوثائقي، رفضت جورج فكرة أن الله خلق "كونًا صغيرًا وضيقًا وفق التصور البطلمي القديم".
وقالت: "إذا كان الله سيخلق كونًا، فسيخلق كونًا رائعًا بحق... سيكون مدهشًا ويتجاوز التصور".
وفي حلقة من برنامج "ذا ليلا روز شو" في أيار 2025، قال الأب روبرت سبيتزر، رئيس "مركز ماجيس" المعني بدراسة العلاقة بين العلم والإيمان، إنه إذا وُجدت كائنات فضائية وتمتعت بصفات مثل الوعي الذاتي والإرادة الحرة والضمير، فإنها "ستمتلك روحًا".
وأضاف: "إذا كانت تمتلك روحًا مثلنا، فهذا يعني أنها خُلقت على صورة الله ومثاله"، مؤكدًا أن وجود مثل هذه الكائنات لا يتعارض مع الكتاب المقدس.
من جهتها، قالت ديانا باسولكا، الكاتبة وأستاذة الدراسات الدينية في جامعة نورث كارولاينا في ويلمنغتون، والتي ظهرت أيضًا في وثائقي معهد ماكغراث، إن الكنيسة "لم تُعلن أن الأجسام الطائرة المجهولة حقيقية أو زائفة أو أي شيء آخر".
وأضافت: "تاريخيًا، وحتى في العصر الحديث، عبّر كاثوليك بارزون عن آرائهم بشأن الكائنات الفضائية، لكن هذه الآراء لا تُعتبر تعليمًا رسميًا أو عقيدة كنسية".
وأوضحت أن اللاهوتيين الأوائل في الكنيسة، مثل القديس أثناسيوس والقديس باسيليوس، كانوا على دراية بالنقاشات حول نظرية "تعدد العوالم"، لكنهم "لم يصدروا أي أحكام بشأن ما إذا كانت تلك العوالم مأهولة بكائنات خارج الأرض".
وفي القرون اللاحقة، بدأ بعض القادة الكنسيين بالتحدث بصورة أكثر مباشرة عن الموضوع.
وأشارت باسولكا إلى القديس ألبرت الكبير، الراهب الدومينيكي في القرن الثالث عشر، الذي وصف التساؤل حول "ما إذا كان هناك عالم واحد أم عوالم متعددة" بأنه سؤال "نبيل وعجيب".
وفي الفترة نفسها تقريبًا، أكد أسقف باريس إتيان تمبييه أن الله قادر على خلق عوالم كثيرة إذا شاء، رغم أنه شخصيًا كان يعتقد أن الأرض هي العالم الوحيد المخلوق.
أما الكاردينال نيكولاس الكوزاني في القرن الخامس عشر، فقد رفض الاعتقاد بأن "النجوم وأجزاء السماء غير مأهولة"، معتبرًا أن "لكل منطقة سكانها المختلفون بطبيعتهم ورتبتهم، وجميعهم يعود أصلهم إلى الله".
بين نظريات المؤامرة والبحث العلمي
ورفض كل من توغني وباسولكا نظريات المؤامرة التي تزعم أن الفاتيكان يخفي أدلة على وجود كائنات فضائية أو مركبات غريبة.
وكتبت باسولكا في منشور حديث على منصة "سابستاك": "أمضيت معظم مسيرتي أدرس التاريخ الكاثوليكي، وعملت بنفسي في أرشيف المرصد الفلكي، ولم أجد هناك طبقًا طائرًا محطمًا، ولا أعتقد أن الفاتيكان يخفي شيئًا من هذا القبيل".
وأشار توغني إلى أن بعض المنظّرين يربطون الفاتيكان بما يُعرف بـ"حادثة ماجنتا"، وهي رواية تتحدث عن سقوط جسم طائر مجهول في إيطاليا عام 1933، وتزعم نظريات المؤامرة أن الفاتيكان ساهم في التستر عليها.
وقال ضاحكًا: "الأمر يتحول أحيانًا إلى مادة مثيرة أكثر من اللازم".
وأضاف أنه لا توجد أدلة تُذكر على أن الفاتيكان يخفي ملفات سرية عن كائنات فضائية، لكنه أشار إلى أن ذلك "لا يعني بالضرورة أن النقاشات حول هذه القضايا لم تحدث داخله".
بدوره، رأى جيمس مادن، أستاذ الفلسفة في كلية بندكتين، والذي كتب بإسهاب عن ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة، أنه لا ينبغي افتراض أن كل الظواهر الجوية الغامضة تعود إلى حياة خارج الأرض.
وقال إن هناك "تفسيرات أخرى عديدة ممكنة، لا تنكر في الوقت نفسه حقيقة ما يدّعي الناس أنهم اختبروه"، معتبرًا أن القضية تحتاج إلى "أكثر أدواتنا العلمية والفلسفية، وربما اللاهوتية أيضًا، تطورًا".
وأضاف مادن، وهو كاثوليكي ملتزم، أنه "لن يُفاجأ إطلاقًا" إذا وُجدت "أنواع ذكية أخرى" في الكون، مشيرًا إلى أن مثل هذا الاكتشاف لن يكون "مقلقًا للاهوت الكاثوليكي".
لكنه حذّر في المقابل من أن الانفتاح الكاثوليكي التقليدي على ما هو فوق طبيعي قد يجعل بعض الكاثوليك "أكثر عرضة لتصديق الروايات المرتبطة بالأجسام الطائرة المجهولة"، حتى لو كانت تلك الروايات بلا أساس.
وقال: "حين يعتاد شخص ما على الإيمان بأمور يعتبرها كثيرون غريبة، فقد يميل إلى رؤية دخول معتقدات غريبة أخرى إلى الثقافة العامة بوصفه نوعًا من التأكيد لصحة أفكاره".
وأضاف أن ذلك "قد يدفع بعض الكاثوليك إلى قبول ادعاءات معينة دون فحص جميع الاحتمالات أو نقد الأدلة بشكل كافٍ".
أما توغني، فقال إنه يعتقد أن وجود حياة ذكية في أماكن أخرى من الكون "ليس مستحيلًا"، مضيفًا بنبرة مازحة أنه ربما يؤمن بذلك "لأنه نشأ محبًا لأفلام الخيال العلمي".
واعترف بأن إشراك الكنيسة في نقاش متوازن ومنفتح حول هذه القضية لم يكن أمرًا سهلًا.
وقال: "ينبغي للكنيسة أن تقول: هذه قضية يتم التفكير فيها".
وأضاف، في ظل استمرار الاهتمام الشعبي بالموضوع: "أعتقد أننا سنشهد مزيدًا من النقاشات حول هذا الأمر".
وفي المقابل، أعلنت الحكومة الأميركية في بيان صحفي الاثنين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب "تركّز على توفير أكبر قدر ممكن من الشفافية أمام الجمهور، الذي يستطيع في النهاية أن يكوّن رأيه الخاص بشأن المعلومات الواردة في هذه الملفات".
المصدر: EWTN - Daniel Payne